سيد محمد طنطاوي

323

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

بأن كل إنسان سيجازى على عمله سواء أكان خيرا أو شرا . فيندرج الغال تحت هذا العموم أيضا فكأنه قد ذكر مرتين . وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله : فإن قلت : هلا قيل ثم يوفى ما كسب ليتصل به ؟ قلت : جيء بعام دخل تحته كل كاسب من الغال وغيره فاتصل به من حيث المعنى ، وهو أبلغ وأثبت ، لأنه إذا علم الغال أن كل كاسب خيرا أو شرا مجزى فموفى جزاءه ، علم أنه غير متخلص من بينهم مع عظم ما اكتسب « 1 » . ثم أكد - سبحانه - نفى الظلم عن ذاته فقال : * ( أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّه ) * بأن واظب على ما يرضيه ، والتزم طاعته ، وترك كل ما نهى عنه من غلول وغيره * ( كَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّه ) * أي كمن رجع بغضب عظيم عليه من اللَّه بسبب غلوله وخيانته وارتكابه لما نهى اللَّه عنه من أقوال وأفعال ؟ فالآية الكريمة تفريع على قوله - تعالى - قبل ذلك * ( ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وهُمْ لا يُظْلَمُونَ ) * وتأكيد لبيان أنه لا يستوي المحسن والمسيء والأمين والخائن . والاستفهام إنكاري بمعنى النفي ، أي لا يستوي من اتبع رضوان اللَّه مع من باء بسخط منه . وقد ساق - سبحانه - هذا الكلام الحكيم بصيغة الاستفهام الإنكارى ، للتنبيه على أن عدم المساواة بين المحسن والمسيء أمر بدهى واضح لا تختلف فيه العقول والأفهام ، وأن أي إنسان عاقل لو سئل عن ذلك لأجاب بأنه لا يستوي من اتبع رضوان اللَّه مع من رجع بسخط عظيم منه بسبب كفره أو فسقه وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً . لا يَسْتَوُونَ « 2 » . وقوله أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ « 3 » ؟ والفاء في قوله * ( أَفَمَنِ اتَّبَعَ ) * للعطف على محذوف والتقدير ، أمن اتقى فاتبع رضوان اللَّه كمن باء بسخط من اللَّه ؟ ثم أعقب - سبحانه - ذكر سخطه بذكر عقوبته فقال : * ( ومَأْواه جَهَنَّمُ وبِئْسَ الْمَصِيرُ ) * أي أن هذا الذي رجع بغضب عظيم عليه من اللَّه - تعالى - بسبب كفره أو فسوقه أو خيانته ، سيكون مثواه ومصيره إلى النار وبئس ذلك المصير الذي صار إليه وكان له مرجعا ونهاية .

--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 1 ص 435 . ( 2 ) سورة السجدة الآية 18 . ( 3 ) سورة ص الآية 28 .